عبد الملك الجويني

92

نهاية المطلب في دراية المذهب

العبد مضمون بالكفارة على مولاه ، ولا حاجة إلى الكشف في ذلك ، والمرامزُ كافية . فإن قيل : قد ذكرتم أنه لو جرح من هو مرتد ، ثم تغيرت صفته ، فصار مضموناً ، وسرت الجراحة ، فلا ضمان إلا على طريقة العراقيين ، وقلتم : في الرمي أَوْجُهٌ على طريق المراوزة ؟ قلنا : سبب ذلك أن الجرح جنايةٌ مستقرة ؛ فقد ثبتت الجناية ووقعت والمجني عليه هَدَر ، ويُظهر الإهدارَ ، وإذا رمى ، فالجناية لم تقع إلا والمقصود مضمون ، فهذا هو الذي أوجب الفرق بين الأصلين . وكل ما ذكرناه إذا كان المقصود هدراً عند الإرسال مضموناً عند الإصابة . 10342 - فأما إذا كان الأمر على العكس من هذا ، فكان مضموناً عند الإرسال هدراً عند الإصابة ، فلا يجب الضمان أصلاً ، [ وذلك مثل أن يرمي مسلماً ] ( 1 ) ، فيرتد ، فيصيبه السهم مرتداً ، أو يرمي ذمياً ، فيصيبه السهم وقد نقض عهده وصار حربياً ، فلا شك في انتفاء الضمان في هذه المنازل ، والتعليلُ بيّن . 10343 - فأما إذا أرسل السهم في حالة نقصان الضمان ، فأصاب السهمُ في حال كمال الضمان ، فالاعتبار بحالة الإصابة باتفاق الأصحاب ، وذلك إذا رمى إلى ذمي فأسلم ، فأصابه السهم ، أو رمى إلى عبدٍ لغيره ، فأعتقه مولاه ، فأصابه السهم ، فالاعتبار بحالة الإصابة ؛ فنوجب في مسألة الذمي ديةَ مسلمٍ ، وفي العبد إذا أعتق ديةَ حرٍّ لورثته . وأبو حنيفة ( 2 ) اضطرب مذهبه في أطراف هذا الأصل ، فقال : إذا رمى إلى عبد فَعَتَق ، ثم أصابه ، قال : لا تجب دية حر ، وإنما تجب القيمة ؛ نظراً إلى حالة الإرسال ، ووافق أنه لو رمى [ إلى ] ( 3 ) حيٍّ ، فمات ، فأصابه السهم ميتاً أنه لا يجب شيء ، وكذلك قال : لو رمى إلى عبدٍ فانتقصت قيمته ، فأصابه السهم ، وهو ناقص القيمة ، فالاعتبار بحالة الإصابة .

--> ( 1 ) في الأصل : " وذلك يرقى مسلماً " والزيادة والتصويب من المحقق . ( 2 ) ر . مختصر اختلاف العلماء 5 / 153 مسألة 2268 . ( 3 ) زيادة اقتضاها السياق .